الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية اعتذار فرنسا عن استعمار تونس يطلبه حكماء التونسيين ويعترف به حكماء التونسيين والفرنسيين و ليس السفهاء منهم... بقلم عفيف البوني

نشر في  07 جوان 2020  (19:55)

بقلم عفيف البوني، باحث في تاريخ الافكار

بصياغة لغوية ركيكة وعبارات ايديولوجية تستجدي اثارة العواطف بمنطق شعبوي يعكس الافلاس السياسي لمن احتكروا استغلال الدين في السياسة الى درجة التخصص في تبييض الارهاب باسم "الجهاد"، تقدم نفر من نواب مجلس النواب بعريضة عنوانها كلمة حق "طلب اعتذار فرنسا لتونس عن الاستعمار"، وباطنها: استغلال رخيص في شعبويته، لذاكرة الضمير الوطني و الانساني للتونسيين و الفرنسيين.

مثل هذا المطلب عزيز حين يحصل في الوقت المناسب و يصدر عن العقلاء من التونسيين الوطنيين من رجال الدولة السياسيين ومن المؤرخين، و لا يجب ان يصدر عن المزايدين المتعصبين باسم الدين من المكفرين و المتورطين في تبييض الارهاب و نشر الكراهية بين الشعوب، وهي دوافع صاحب هذه العريضة الطارئ في حياتنا السياسية.

سيف الدين مخلوف المتعصب دينيا و جماعته، من هم في الصدارة، او خلف الستار، قد اساؤوا التقدير، حين ارادوا الانفراد بتقديم هذا الطلب، وفي غير التوقيت المدروس،  لأن مخلوف و جمعه، ليسوا اهلا لكي يعطوا المصداقية لهذه الفكرة النبيلة، وبصياغة لغوية ومضمونية انشائية تستجدي العواطف الشعبوية، ولا تتحسب لما يمكن ان يلحق بمصالح تونس العليا حين يجعلون العلاقات التونسية الفرنسية، موضوعا للتهريج و التشويش السياسي الذي يضر و لا ينفع.

ما لا يفقهه هؤلاء المراهقين السياسيين أنّ تاريخ كل دول العالم هو تاريخ استعمارات او هجرات، و لا فرق بين استعمار وآخر، مهما كانت اديان الغزاة المستعمرين، يتساوى في ذلك كل المستعمرين في كل تاريخ البشر، لقد كان حال تونس في القرن 19 من حيث الضعف و الفساد و الاستبداد، مغريا جدا لاي طامع او مستعمر، ولذلك كانت الاجاصة التونسية من نصيب فرنسا قبل ان تبلعها ايطاليا.

وها ان الاسلام السياسي الفاسد اليوم قد اضعف تونس و جعلها مرتعا للارهاب و في ازمة اقتصادية توشك على الافلاس، بحيث صار الامن و الاستقلال الوطني لبلادنا مهددا تهديدا جديا من الداخل و من الخارج، و من دون التقليل من عظمة جهود اجهزة الجيش والامن و الشعب، في الحيلولة دون الوقوع في الاسوا...

لا يمكن ان نتجاهل، بأن للدولة الفرنسية و غيرها، صداقة و شراكة و مصالح، مع الجمهورية التونسية، لا يمكن لبلادنا ان تستغني عنها، لضمان امنها و استقلالها، فضلا عن ان عشر التونسيين يستوطنون فرنسا، واقتصادنا مع فرنسا هو الاكبر.

ان مسالة الاعتذار وجيهة و لا يجب ان تكون لعبة سياسوية خصوصا من قبل المتعصبين او المتاجرين بالدين و بالتكفير، الاعتذار، الاعتذار ثقافة اخلاقية سامية في الكرم (يمارسها الحكماء او العقلاء، من النخب في كل الشعوب، في وقت مناسب، هو الان غير متوفر لا في فرنسا و لا في تونس) هي ثقافة تسود حين تتراجع  ثقافة التعصب الديني و يكون المستقبل للشراكة في التعاون و التنمية و ارساء السلام.

لا احد من التونسيين يبرر او ينسى فظائع الاستعمار، الاستعمار الفرنسي او التركي او غيرهما، اجداد الفرنسيين و التونسيين و الايطاليين و العرب و المسلمين و المسيحيين... من كل الاعراق و القوميات و الاديان... قد كانوا مستعمرين لغيرهم في حقبة من التاريخ، و في حقبة اخرى، كانوا هم ضحية لاستعمار غيرهم، ممن يشاركهم في الانتماء القومي او الديني، او ممن لم  يشترك معهم في ذلك.

اتركوا العلاقات الخارجية لتونس مع فرنسا و مع غيرها، لرجال الدولة من الساسة، فذلك امن وطني و مصلحة عليا، انه خط احمر، و من الاجرام السياسي و الاخلاقي ان تجعلوا من طلب الاعتذار لعبة حزبية تسيؤون بها لقضية نبيلة، لا يمكن ان ينتصر لها  و بها، الا نبلاء التونسيين و الفرنسيين في يوم من الايام.

ان عدم اعتذار فرنسا لتونس الان عن استعمارها السابق، ليس هو المتسبب في مشكلة تفاقم انسداد افاق الازمة الخانقة لبلادنا والتي يتحمل حصولها و استمرارها من يحكمون تونس للعام التاسع، كما ان اعتذار فرنسا ان افترضنا حصوله اليوم جدلا، لن يحل ابدا مشكلة استمرار الازمة غير المسبوقة، لقد انتهت مسرحية استبهال التونسيين و اشغالهم بما لا يُحسّن احوالهم.